صورة غروب الشمس طبيعية

  

                دربُ النَخـــــــــلات يلملمنـي       أوتفتــــق عنـــــدي الأزرارً                    

                     و شجيــــــرة تـــوت باسطة       والتــــــوت رذاذ ينهـــــــارُ

                     و هنـــــا أضـــواءٌ سابحـــة       و هنــــــاك حنيـن جبــــــارُ

                     وورود حمـــــــر في كتبـــي       تشتـــاق النـــور و نـــــوارُ

                     شغف الأزمـان لـــــه كلِـــــمٌ       أَنـــى الأزمـان لهـا عـــــارُ

                     صحراء بعـــــدك أزمنتــــي        و ربيعــــــك واه غــــــرارُ

                     يا مسقط قلبــي يـــا وجعــي        من نبعــك جادت أشعــــــارُ           

من أحدث الحوارات.. مع غادة السمان

كتبهاسمية محنش ، في 22 سبتمبر 2009 الساعة: 04:28 ص

 

[

الأديبة غادة السمان للشروق: ترقبوا أسراري العاطفية في مذكراتي

 

2009.04.06

حوار: زهية منصر
الأديبة: غادة السمان

 

 

عندما حصلت على رقم فاكس بيتها في باريس من إحدى الصديقات في بيروت، كنت أشك في أن ترد على اتصالي، لأنها ظلت دائما إسما محاطا بالكثير من الأسرار والضباب في علاقتها بالإعلام والصحافة.

لكني فوجئت بعد 3 أيام بفاكس بخط يدها الجميل ينزل قاعة التحرير »بكل سرور أوافق على الحوار وأنا بانتظار الأسئلة على الفاكس«. وكنّا طوال مدة الحوار نتواصل عن طريق الفاكس تخبرني أنها »أجابت عن نصف الأسئلة وتوقفت لأنها دخلت في حالة كتابة روايتها الجديدة التي ستصدر قريبا… »أيام الحب والياسمين«، أو أنها غادرت إلى سويسرا وستعود إلى باريس. وفي المواعيد المحددة بدقة مدهشة سلفا من طرفها. وصلني نص الحوار مرفقا بصور حديثة جدا لغادة لم تنشر من قبل، نص يعبق بعطرها وتمردها يشبه إلى حد كبير نصوص كتبها الأربعين، نص كتبته غادة بحضور 584 بومة تحدق في نهر السين وبرج إيفل.

* غادة السمان بقدر حضورها الأدبي بقدر غيابها عن منابر الإعلام والتصريحات. لماذا كل هذه العزلة والتحفظ؟

** بدوري أسالك هل بوسعك أن تقومي بإهدائي عمرا إضافيا إلى عمري الحالي الذي استهلكه في الكتابة؟ إذا كان ذلك بوسعك، أعدك بالحضور على المنابر الإعلامية كلها ونثر التصريحات المتلفزة. لكنني أصدرت حتى اليوم أكثر من أربعين كتابا من »عيناك قدري« إلى »القلب العاري عاشقا« وحاولت فيها تجاوز نفسي، كما ترجم بعض أعمالي إلى أربع عشرة لغة أجنبية وصدر عني 15 كتابا وكما ترين »العمر قصير والفن شاسع« كما يقول غوتيه المبدع الكبير..

 وليس بوسع عاشق الأبجدية الإمساك بالخيوط كلها، ولا مفر له من الاختيار. وأنا انحزت إلى الأبجدية قبل »الإعلام« من زمان. وأذكر كمثال، أنني بعدما أصدرت كتابي »رحيل المرافئ القديمة« حصلت على أرفع جائزة أدبية لبنانية تقدمها »جمعية أصدقاء الكتاب« الراقية باسم رئيس الجمهورية. لكنني ليلة استلام »جائزة الإبداع« هذه كنت مستغرقة في كتابة روايتي »بيروت 75«. وهكذا اتصلت بهم للاعتذار لكنهم أصرّوا على حضوري. وأنقذتني حماتي السيدة سارة غندور الداعوق رئيسة »جمعية العناية بالطفل والأم«، سيدة شهيرة لبنانية من سيدات العمل الخيري، وذهبت هي واستلمت الجائزة وأنا أنجزت »بيروت 75« روايتي الأولى ولم أسمح للنجاح باغتيالي وكان ذلك في أواسط السبعينيات. وما أكثر الأدباء الذين اغتالهم نجاحهم ولم ينجحوا بعده في تجاوز عطائهم الأول روايتي »بيروت 75« بقيت في قلوب القراء أكثر من صور استلام أية جائزة أو أي حوار متلفز.

* يقال انك ترفضين أي حوار تلفزيوني منذ السبعينيات عندما اكتشفت في القاهرة أن المذيعة التي حاورتك لم تقرأ أيّا من أعمالك، لماذا برأيك اليوم تنتشر في الشارع العربي ظاهرة العزوف عن القراءة؟

** ها أنت تعودين بي إلى ذكرى طريفة، يومها فوجئت بأن مقدمة البرامج لا تعرف حتى أسماء كتبي، ولم تكن يومئذ كثيرة كما هي الآن، بل كانت ثلاثة كتب فقط، وهي اليوم ما يزيد عن أربعين كتابا… وفوجئت هي بردة فعلي العفوية حيث نهضت وهربت من الأستوديو، والمذيعة تركض خلفي وأنا الفقرة الهاربة من البرنامج. وحاولت عبثا إعادتي إلى الكاميرا… وأنا أركض صوب الشارع وأضحك.

 أما عن ظاهرة العزوف عن القراءة في الشارع العربي فالكل مسئول عنها باستثناء القارئ. هذا إذا فرضنا جدلا أن القراء العرب يتناقصون.

حين يكون علينا أن نختار بين الرغيف والكتاب نختار الرغيف طبعا. وحيث لا تُتاح لنا فرصة التعليم المجاني »والأمية آفة خطيرة عربية« لا نستطيع لوم أحد لأنه لم يشترِ كتابا لا يقدر على مطالعته… هل تريدين أن أتابع سرد مآسينا العربية؟

 أعتقد أن »الشارع العربي« مشكور على ما يطالعه، مهما كان قليلا، بدلا من لومه لأنه لا يطالع.

 ويستحسن ألا ننسى المؤثرات العصرية الجميلة، حيث يطالع المرء على »الانترنيت« كتبه المضلة وصحفه، والمهم أن يطالع… تطور أداة القراءة من ورق البردي إلى الانترنيت أمر عادي والمهم فعل التواصل الفكري على نحو ما…

* تستعدين لإصدار رواية جديدة »أيام الحب والياسمين«، عن ماذا ستكتبين هذه المرة؟

** باختصار، روايتي هي عن »الحب والياسمين« بالتفصيل علمني الزمان عدم التحدث عما أكتبه فأنا بعد هذا العمر الطويل مع الأبجدية مازلت تجربتي منفتحة للدهشة والمفاجأة، ولا أدري إلى أية غابة سيقودني قلمي خلال الكتابة مما يبدل المخطط الأصلي للرواية و»النوايا«الأبجدية أو الكتاب بأكمله. ثم أنني أعلن أحيانا عن صدور كتاب وأنجز كتابا آخر. لقد أعلنت مثلا عن صدور »الرغيف ينبض كالقلب« لكنني أصدرت »اعتقال لحظة هاربة« و»الحب من الوريد إلى الوريد«. الكتاب كاللص لا يدري ما الذي سيغنمه في »غارته الأبجدية«.

* لست أدري لِمَ تبدو لي دائما مجموعتك القصصية »عيناك قدري« مختلفة نوعا ما عن باقي نِتَاجِكِ، حيث بدت لي فيها النماذج النسوية أقل تمرّدا؛ شخصيات في مفترق الطرق »فليس هناك شيء أجمل ولا أصعب من أن تكوني امرأة«، هكذا تقول إحدى البطلات. هل يعني هذا أن غادة السمان يومها لم تكن بعد قد حسمت في خياراتها؟

** لم أخطط يوما لما تقوله أو تفعله بطلات أو أبطال قصصي، بل أترك الحقيقة الفنية تقودني، وأبطالي يتحدثون ويملون علي أصواتهم.

الآن مثلا أستطيع أن أرى انه ما كان بوسع أبطال وبطلات كتابي الأول »عيناك قدري« التصرف على نحو آخر، ومعظمهن بنات دمشقيات أو ريفيات سوريات من أوائل الستينيات… ومن الخطإ الفني القصصي أن تتحدث واحدة منهن مثل سيمون دو بفوار مثلا. الفن القصصي عندي هو المعادل الفني الإبداعي للحقيقة وهو بالتأكيد ليس أداة تبشيرية للوعظ، وربما لذلك كتبت في الفترة ذاتها الكثير من مقالاتي »النسوية« مثل »دستورنا نحن الفتيات المتحجرات« و»فلنطالب بتحرير الرجل أيضا« و»فلنصلّ من أجل الجارية التي تجلد وترضى بذلك«. ربما كتبت ذلك لأقول بصوتي ما لم يكن بوسعي إرغام بطلات قصصي على قوله دون أن تفقد القصة فنيتها.

منذ بداياتي أدركت على نحو عفوي أن القصة ليست أداة تبشيرية بل هي أولا فن وعلى الكاتب ألا يخون ذلك فبدون الفن، لا تعود للقصة قيمة لا تبشيرية نسوية ولا إنسانية ولا إبداعية.

على الصعيد النسوي ومنذ بداياتي، حسمت خياراتي وهي أن الرجل ليس العدو الحقيقي والتخلف هو عدونا معا.

ولذا لم أقع يوما في فخ التوهم أن الأنثى هي الأصل، أو الذكر فتكاملهما هو الأصل، والإنسانية هي المفتاح.

وأدعوك للتعارف مع كتابي القصصي الأخير »القمر المربع« وهو كتاب فاز بجائزة الكتاب المترجم من العربية للانجليزية من جامعة أركنساس ومؤخرا من إسبانيا جائزة »أندلوسيا« وصدر بعدة لغات. وبالذات مع قصتي فيه »سجل أنا لست عربية« وستجدين بطلة لا تكره الرجل لكنها تدافع عن حقها في تعامل المجتمع معها كإنسانة مساوية في إنسانيتها للرجل على الرغم من الفروق البيولوجية، ثم إن تلك الفروق البيولوجية التي يوجهها البعض ضدها هي في حقيقة الأمر لصالحها، فالمرأة رجل قادر على الإنجاب، أما الرجل فعاقر بالمنظار الأنثوي إنه فاشل في الحمل والإرضاع وإلا لطلبنا من الرجال مشاركتنا في ذلك.

* ذكرتِ في حوار سابق أن سمير ذكرى سيحول روايتك »فسيفساء دمشقية« إلى فيلم سينمائي، هل تتوقعين أن يكون نجاح الفيلم بنفس نجاح الرواية؟

** أتمنى نجاح الفيلم أكثر من الروية، فالفيلم طفل روايتي وفي حوار مؤخرا مع المخرج في جريدة »الثورة السورية« يقول إنه سيبدأ التصوير عما قريب »شهر جوان« والسينما أداة فنية جذابة وحين يتعامل معها مخرج موهوب مثل سمير ذكرى تصير أكثر جاذبية؟.

* روايتك »بيروت 75« تنبّأت بالخراب الذي حدث في لبنان، من أين تأتي غادة بحس العرافة؟

** أكرر أنا عميلة غير سرية للحقيقة، وكل كاتب عميل للحقيقة مثلي سيحاول أن يتحرّى ما يدور حقا. لن يكفى بالتعارف مع بيروت الجامعة الأمريكية »حيث كنت أدرس« أو مع بيروت بهجة العيش والحياة الوردية والسهرات بل سيحاول الخروج إلى دنيا الناس ومعاناتهم وأحزانهم وما فعلته. قبل أن أكتب »بيروت 75«، ذهبت إلى المناطق اللبنانية كلها، حيث الفقر والمعاناة، وكتبت عن ذلك كله في تحقيقات صحفية لمنبري، كما ذهبت إلى مستشفيات المجانين والسجون وعايشت معذبي مجتمعنا، وركبت القوارب مع الصيادين ليلا وعايشت مآسيهم، وبعد ذلك كله جاءت نبوءة عرافتي في رواية »بيروت 75«. ولا أنكر أنها أدهشتني وأخافتني وأنا أسطرها والكتابة »المنطقية« لا تستطيع الوصول إلى لحظة الرؤيا الأبجدية تلك ولعله ولابد من تغذية حس النبوءة ذلك بملامسة الحقيقة… وما من نبوءة بدون تحسس وجوه المتألمين كما يتحسس الأعمى كتابا بلغة برايل… ولحظتها كتبت نبوءة عرافة »بيروت 75« حين صرخت برعب »أرى كثيرا من الدم« وبعدها بأشهر انفجرت الحرب اللبنانية وتجدين عرافتي في »رباعية بيروت« كلها، أي في »كوابيس بيروت« أيضا وكوابيس الغربة »ليل المليار«، وفي الجزء الأخير من الرباعية الصادرة في 2003 وهو سهرة تنكرية للموت، ولأسف تحققت نبوءات عرافتي كلها في »رباعية بيروت«.

* تعتزمين إصدار مذكراتك هل بقي لغادة بعض الأسرار التي لم تكشف عنها بعد، خاصة بعد رائعتك »فسيفساء دمشقية« التي قال النقاد إن فيها الكثير من سيرتك الشخصية؟

** لقد خاب أملي في الشائعات عني وعلي كتابة سيرتي. حين أطالع بعض ما يكتب عن حياتي الشخصية، أقول نفسي أيتها المرأة أنت تستحقين شائعات أفضل ثم أنني لم أكشف حقا عن الكثير من أسراري في روايتي تلك. »فسيفساء دمشقية« هي أولا رواية استغرقت مني كتابتها سبعة أعوام، ومن فني بالدرجة الأولى، وفيها منى، لا بالضرورة في إحدى البطلات كـ»زين« فأحداثها تتوقف وعمر زين 16 سنة بل وأيضا في ذكورها وبقية نسائها… لكن الحقيقة الفنية فيها غلبت الذكريات والرواية عندي لا تستطيع أن تكون سيرة ذاتية وعملا إبداعيا في آنٍ.. أنها تخلق مناخا حياتيا واجتماعيا معيّنا ولكنها ليست السيرة الذاتية للكاتب حقا.

* كتابك »امرأة عربية وحرة« سبق أن هوجمت مقالاته من قبل مفتي الديار الشامية علي الطنطاوي واتهمك بالدعوة لتشجيع الانحلال في المجتمع وقيل يومها إن غادة استندت إلى منصب والدها عميد الجامعة في رد التهمة؟

** استندت إلى صديقي الأول الكبير الذي تصادف أنه كان والدي، وصديقا حميما أيضا للشيخ علي الطنطاوي… ولا صلة لمنصب والدي كوزير أو عميد الجامعة في ذلك ولكن بصفته كصديق للطرفين قام بفك الاشتباك وتهدئة النزاع وبإعلان هدنة. الشيخ الطنطاوي احترم الاتفاق، أما أنا فاتبعت تمردي في كل حرف سطرته.

* غادة السمان تعشق كثيرا البوم وتتفاءل به، لماذا اخترت هذا الطائر تحديدا لاتخاذه رمزا لمنشوراتك رغم أن الثقافة العربية تتشاءم منه؟

** لا أحب التشاؤم المتوارث دونما مبرر عقلاني. ولأن الثقافة الشعبية العربية تتشاءم منه أعلنت الحب عليه أرفض التشاؤم اللاعقلاني حيث يقوم المرء بإلقاء تبعة مصائبه على طائر ليلي بريء من مخلوقات الله الجميلة بدلا من مواجهة الأسباب الحقيقية لتعاسته والإشارة بإصبع الاتهام إلى المسئول الحقيقي عن بؤسه والانتفاض ضده. والمدهش أن الثقافة الشعبية عندنا تتشاءم من البوم على الرغم من أن ذلك الموقف يناقض النصوص الدينية المقدسة التي حرمت التطير في آيات قرآنية عديدة. ولكن أهم أسباب حبي للبوم ليست مناكدة السائد فحسب، بل وأولا الإعجاب بجمال ذلك الطائر، وبسحر عينيه، وتلك قضية غرام شخصية بيني وبينه.. وأنا في بيتي محاطة بطيور البوم وعددها في آخر إحصاء ليلي لي معها 584 بومة وكلها يحدق الآن في نهر السين وبرج إيفل ويتلصص على ما اكتبه لك، وحين أنام سيغادر البوم بيتي ليطير بحرية ويعود إلى أوكاره عندي لحظة استيقظ صباحا لأشرب قهوتي وأقول للبوم النائم صباح الخير يا جميل.

* يقال أن الراحل نزار قباني، الذي تجمعك به علاقة قرابة رثى والدتك الراحلة السيدة سلمى رويحية بقصيدة نادرة لم تنشر إلى اليوم، كيف كانت علاقتك بنزار الإنسان ولماذا لم تنشر تلك القصيدة إلى اليوم؟

** لم تنشر القصيدة بسبب فوضي أوراقي وانشغالي دائما عن تنظيمها بكتابة الجديد، دوما أقول المهم أن أكتب جديدي، وحين أموت لن يكون بوسعي أو بوسع أحد آخر القيام بذلك، ولكن أي محب لحرفي يستطيع ترتيب أوراقي ونشرها وفي تلك القصيدة التي كتبها نزار حين كنت طفلة يحنو عليّ فقدي الكبير لأمي التي للأسف لم أعرفها ولا أذكر شيئا عنها وبالمقابل أعدك بالبحث عن القصيدة ونشرها ومادمت قد استفسرت عنها، سأرسل لك نسخة أنشرها في منبرك في اليوم ذاته وقت نشرها في منبر مشرقي… وهذا وعد، وقد يدهشك أنني سأفي به.

الأديبة الكبيرة غادة السمان في الجزء الثاني من حوارها للشروق:

تعرفت على أحلام مستغانمي يوم جاءتني في باريس تطلب حوارا وأنا من توسط لها وعرفتها بنزار قباني

2009.04.07

حاورتها: زهية منصر


 

في هذا الجزء الثاني من الحوار تروي غادة السمان كيف تعرفت على أحلام مستغانمي في باريس عندما أجرت معها حوارا صحفيا ثم عرفتها على قريبها نزار قباني وناشرها سهيل إدريس، بنفس الصراحة وروح التمرد تفتح عاشقة ألبوم دفاتر ذاكرتها وتكشف أنها ستكتب عن الذين أحبتهم حقا في مذكراتها القادمة.

غادة السمان أيضا رحالة تعشق التجوال وقد جالت بنصف مدن العالم لكن اختارت باريس كمنفى للاستقرار، ماذا قدمت لك باريس ولماذا باريس تحديدا؟

باريس ليست منفى وليست وطني ولكنها تغلي حضارة وفيها أصوات كثيرة تحب الآخر وتدعمه. إنها بمعنى ما أحد أوطان القلب العاشق للحرية. بالمقابل، اعترف أنني لست أنا التي اخترت باريس كمساحة للعيش حين سقطت قنبلة في ساحة مدرسة إبني وكان صغيرا وقررنا مغادرة بيروت… لقد كان الخيار لمصلحة دراسة ابني وعمل زوجي ولكنني لم أندم لأنني أنحزت ديمقراطيا لمصلحة الأكثرية في البيت.

 أنت أيضا من جيل عايش زمن ازدهار خطاب القومية العربية، ماذا بقي اليوم من هذا الخطاب. واستنادا إليه كيف تنظر غادة السمان، كمبدعة، للصراع العربي الإسرائيلي وهل ترين من جدوى للتطبيع الثقافي؟

** أنتمي إلى جيل العزة العروبية سابقا وأيتام العروبة حاليا الجيل الذي انكسر قلبه في مطلع تفتحه لهزيمة حزيران 1967، وما كتبته يومئذ في مجموعتي القصصية »رحيل المرافئ القديمة« لايزال يمثل إيقاع قلبي… والأسف الشديد بعدما كنت أكتب عن حقوق الشعب الفلسطيني صار حلمي التطبيع العربي بين قطر وآخر قبل الحديث عن أي تطبيع غير ذلك. هذا ناهيك عن تطبيع العلاقات الثقافية بين المرء وذاته… فثمة زلزال بين القلب والخطاب السياسي ولعلّ مأساتنا كعرب هي فيما بيننا ومع صوتنا الداخلي، قبل أن تكون مع العالم الخارجي… نمر بفترة زلزالية في القيم ولا مفر لنا من الصلح مع الذات والتراث والعصر قبل الإقدام على خطوة أخرى خاطئة مع العالم الخارجي. بقي من الخطاب الأمل بمستقبل أفضل له، بعد مراجعة ذاتية لأخطائنا التاريخية وتجنبها في ممارستنا الآتية؛ بقي التفاؤل بأن إصلاح الأمور مازال ممكنا و»الحياة بدأت للتو« كما في عنوان قصة من قصصي في كتابي »زمن الحب الآخر«.

 يقال أن نساء اليوم أقل تحررا من نساء الأمس برغم سقف الحقوق التي حصلت عليها المرأة اليوم، ما رأيك كواحدة من اللواتي مارسن الحرية عن قناعة ووعي؟

 لا نستطيع التعميم، لكننا للأسف نستطيع القول، بلا تحامل، إن الحركة العربية النسائية التحررية الواعية لم تتابع مسيرتها على الوتيرة التصاعدية ذاتها التي كانتها قبل عقود وثمة مويجات ردة، وهبوط في سقف المطالبة بالحد الأدنى من الحقوق الإنسانية، وخلخلة في قناعات بعض النساء وبمشروعية مطالبهن تمارس بنشاط عليهم تحت قناع المقدس لأسف ويمارسنها على بعضهن بعضا أيضا. وهذا ليس بجدي على مجتمعنا العربي، فقد سبق أن عايشت في الستينيات رفض بعض نساء سوريا لمنحهن حق الانتخاب، وكتبت يومها على ذلك مقالتي »فلنصلّ من أجل الجارية التي تجلد« فالمأساة الحقيقية هي تحالف الضحية مع جلاّدها. مع كل زلزال ثمة موجات ارتدادية لكن مسيرة المرأة نحو انتزاع حقوقها العادلة لازالت تمضي و»لو بتمهل آني«، وتمضي بمساعدة الرجل العربي الواعي ـ رفيق الدرب ـ لانتزاع المزيد من الحريات الإنسانية لهما معا.

برزت في السنوات الأخيرة ما يعرف بظاهرة الرواية النسوية في السعودية، كيف تنظر غادة كمبدعة لهذه التجارب؟ 

 بكثير من التعاطف ولكن بمقياس فني أيضا يميز بين كاتبة وأخرى. التعاطف لأنني أعرف مدى معاناة المرأة في مجتمعها كي تصير ببساطة »أو تطمع إلى أن تصير كاتبة«. لكن الرواية ليست منشورا دعائيا فجّا، بل عليها أولا أن تكون عملا فنيا أي أنني أنظر إليها أيضا بكثير من الشك في التسميات فأنا أرفض تصنيف الأدب انطلاقا من الجنس البيولوجي للكاتب وأطالع تجارب السعوديين والسعوديات بعين تبحث عن الفن لا عن الخطاب الاجتماعي، بالنسبة لي فنية الرواية هي المقياس.

 على ذكر التجارب ما هي نظرتك للتجارب الجزائرية وخاصة النسوية منها؟

 لا أميّز شخصيا بين إبداع المرأة أو إبداع الرجل، فالإبداع عطاء إنساني، بالمقابل أتمنى أن أعرف المزيد عن التجارب الجزائرية، كي يحق لي إطلاق الأحكام. ثمة كاتبات جزائريات مبدعات تكرّمن بإهدائي أعمالهن وفرحت واحتفيت بها وكتبت عنها، ولكنني بالتأكيد مقصرة عن الاطلاع على أعمال أخرى كان عليّ السعي للحصول عليها في منبري الأسبوعي في مجلة الحوادث احتفي دائما بتلك الأقلام الجزائرية المبدعة.

كتبت إحدى الصحف العربية نقلا عن أحلام مستغانمي قبل سنتين، أنها قالت ما يلي »غادة السمان امرأة بلا قضية واضحة ومحددة«. ما تعليقك؟

هذا رأيها وهي حرّة فيه ولعلي قصرت في إهدائها كتبي مثل »الرغيف ينبض كالقلب« وهو في معظمه مكرس لجرح الفقراء و»الجسد حقيبة سفر« ومعظمه مكرس لجرح فلسطين كما »رحيل المرافئ القديمة وصفارة إنذار داخل رأسي« بكل القلق العروبي وسواها لا يحصى من كتبي الأربعين، كما قصرت في إهدائها كتاب »قضايا عربية في أدب غادة« تأليف ابنة القدس حنان عواد الصادر بالانجليزية وله ترجمة عربية، وكتاب »التمرد والالتزام في أدب غادة« وهو بالإيطالية وله ترجمة عربية، وكتاب الدكتورة إلهام غالي شكري »غادة الحب والحرب«. بالفرنسية ـ أطروحتها للسوربون ـ وكتاب »قضية المرأة بين سيمون دو بفوار وغادة«. وهو أيضا بالفرنسية ـ أطروحتها للسوربون ـ لها ترجمات عربية. وهذا الشهر يصدر عن منشورات »لامارتان« الباريسية كتاب الناقد اللبناني وفيق غريزي عني وقد ترجمته للفرنسية الدكتورة كنزة باربو الأستاذة الجامعية في فرنسا.

من طرفي سررت بلقاء صحافية جزائرية هي أحلام حين اتصل بي صديق قائلا، إنها تريد حوارا صحفيا معي، وقد نشرت فيما بعد ذلك الحوار في كتابي، »القبيلة تستجوب القتيلة ـ ص208«، ورحبت بها وكان ذلك منذ ألف عام وبالأحرى عام 1975 أي منذ 34 سنة وجاءت أحلام مستغانمي تزوروني في »قصر الداعوق« حيث كنت أقيم مع زوجي؟؟؟؟؟؟؟؟ ألا منسي؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ والارستقراطي البروليتاري العروبي الراحل بشير الداعوق. وكنت سعيدة بلقائها كأخت كاتبة جزائرية، وحين حدثتني عن رغبتها في النشر في بيروت وكانت قد أصدرت كتابا في الجزائر كما ذكرت لي رحبت بها، واتصلت فورا في حضورها بناشري المرحوم الدكتور سهيل إدريس وضربت لها موعدا معه، كما اتصلت بقريبي الشاعر نزار قباني وحدثته عنها فتعارفا بعدها وهذا بشهادتها في إحدى أحاديثها الصحافية، ولن أنسى أنها كانت تحفظ عن ظهر قلب مقاطع من قصيدتي »عصفور على الشجرة خير من عشرة في اليد« من كتابي »أعلنت عليك الحب« وأسعدني ذلك »لدي ذاكرة فيل«، ثم أن لحظات الود الصادقة عندي ليست رمادا انفخه ليتلاشى وأقلب الصفحة لأبدأ من أول السطر أنني أحفظ المودات…

 قلت يوما إنك لم تتمردي بما فيه الكفاية، ما هي حدود التمرد عند غادة الإنسانة والمبدعة؟

لا حدود للتمرد وإلا لتوقفت الإنسانية عند مرحلة ما… لا مفر من الركض بالشعلة قدر الإمكان ثم تسليمها إلى آخر ليركض بها… والمهم أن تكون الشعلة مكرسة للضوء، لا لإحراق الآخر… ليس ثمة ما يدعى «نهاية التاريخ» كل يوم واليوم الأول من بقية أيام عمر العطاء الإنساني…

 

 ما هو النص الذي تحلمين به ولم تكتبيه بعد؟

إنه النص الذي أعمل عليه. وبعد إنجازه أعرف أنه لن يرضيني وسأتابع محاولة كتابة نص جديد وآخر وآخر وسأحتضر وأنا أهذي بنص جديد لم أكتبه بعد، وستلتفّ حولي مخلوقات استثنائية هي أبطال قصصي وأنا أموت لتهدئة روعي وتطميني إلى أنني كتبت الكثير ولم أهدر الكثير من وقتي في الاستمتاع بوقتي.

 من أين تستمد غادة كل هذه الطاقة على التمرد والإبداع المستمر؟

 أنا مواطنة عربية لا تعاني من الإحساس بالنقص ولا التفوق نحو الحضارات الأخرى واستمد قوتي من جذوري وحاضري العنيد رغم الضربات كلها والمستقبل العربي الذي أتمناه. لعلي سمكة تسبح منذ عقود صعودا ونزولا في شلال التيار متمردة ولعلي نملة تظل تحاول الركض بحبة القمح في فمها، أو بومة أحرقت أجنحتها مرات عديدة ولم تهجر طيران الفضول الليلي، ولعلي فراشة لا أكثر، عرفت نشوة الطيران منذ اليوم الذي ثقبت فيه شرنقتها وأعلنت حبّها للحرية وهي تطير وتطير.

 بعد كل هذا المسار، ما هو الشيء الذي ندمت عليه غادة والشيء الذي تفتخرين به؟

أندم على الكثير من الذنوب التي لم اقترفها. أندم أولا على أخطائي والمأساة الحقيقية هي أنه لو عاد الزمان إلى الوراء لاقترفت أخطائي كلها ولكن الخطأ الأكبر هو ما لم نقترفه من أخطاء أفتخر بأن كل ما مررت به من قسوة وعداء مجاني نحوي وأذى حاسد دونما مبرر، ذلك كله لم يسلب مني القدرة على حب الآخر وأرفض قول ذلك الأديب الذي أعلن أن معرفته بالناس زادته حبّا بكلبه فأنا الكاتبة التي لدغت من جحر مرتين وأكثر فظلت تعذر الأفاعي.

الذي يقرأ روايتك «كوابيس بيروت» لن يشك أبدا أن تلك الكوابيس كانت حقيقة فعلا، أين ينتهي الواقع وأين يبدأ الخيال في أدب غادة السمان؟ 

 في الرواية كل شيء حقيقي وكل شيء وهمي والحدود بين الحقيقة والوهم تتلاشى، حتى في ذاكرة الكاتب، وتصير خيطا لامرئيا شفافا تهزه رياح شهوة الإبداع الفني.  

هل بوسعك رسم خط واضح فاصل بين موجة وأخرى في البحر؟

في الرواية، موجة الحقيقة وموجة الخيال وهمٌ متبدل متأرجح متداخل والمؤلف نفسه ينسى غالبا ما الذي حدث حقا، وما الذي كان خياليا. وأحيانا يتبنى الخيال كحقيقة أكثر مما حدث له حقا، ويضيع بينهما وتسود الحقيقة الافتراضية و»الحبيب الافتراضي« كما في عنوان أحد كتبي.  

 يقال إن رائعتك »ليل المليار« كتبتها لشخص معيّن أحبّته غادة بجنون من هو ذلك الشخص؟

هذا صحيح، فقد كتبتها لحبي الأوحد الكبير ويدعى القارئ.

على ذكر الحب، قرأت من سنتين حديثا للصحافي المعروف ناصر الدين النشاشبي يقول إن غادة السمان أحبّته بجنون لكن كان حبّا من طرف واحد. هل حدث هذا فعلا؟

 وأنا أيضا سمعت ذلك وجوابي لا تعليق.

بالمناسبة لقد قرأت منذ شهرين مقالة تتحدث عن حياتي الشخصية جاء فيها ذكر العديد من أحبابي الافتراضيين انطلاقا من قيل عن قال، والكثير من أقوال البعض الذين يخلطون بين أمانيهم والحقائق.

وإذا كان ثمة من يحبّ أن يعرف شيئا حقا عن براري قلبي سيجد بعض تلك الحقائق في مذكراتي التي حان وقت كتابتها. ولا أكتمك أن أملي خاب في الشائعات عني.

وأكرر أنني أستحق شائعات أفضل من هذه شائعات تتضمن حدا أدنى من الحقيقة ومن الأسماء التي أشعلت قلبي وحرفي ذات يوم… ومازالت مجهولة ولم يقل أصحابها كلمة واحدة عنها.

وفي نفس السياق تساءل الصحافي لماذا لم تقدم غادة على نشر رسائلها إليه كما نشرت رسائل غسان كنفاني إليها دون رسائلها إليه وهذا ما اعتبره البعض أنانية منك، كيف تنظرين إلى هذه المسألة؟

لم أنشر رسائلي إلى غسان لأنه ليس بوسع أحد نشر ما ليس بحوزته قبل أن أقوم بإصدار رسائل غسان لي أعلنت أنني أنوي ذلك وكان ذلك في مجلة الحوادث في أسبوعين متتابعين بتاريخ 21/4/1989 و28/4/1989 حيث ذكرت أنني سأنشر الرسائل ووجهت النداء إلى من بحوزتها أو بحوزته رسائلي إلى غسان لتزويدي بها أو بنسخة عنها لنشرها معا »رسائله ورسائلي«، كما تعاهدنا ذات يوم. ومرة ثانية وجهت النداء في حوار صحفي بتاريخ 9/1/1990 مع الأستاذ نديم نحاس، أي قبل نشري لرسائل غسان بعامين، لم يجب أحد ولم يعترض أحدا، فقط حين صدرت الرسائل »قامت القيامة« وهذه الحكاية تدل على نجاح حرب الشائعات في بلادنا حيث يحتل الكذب العدواني مساحة الحقيقة التي يسهل إثباتها شرط أن يكلف أحد نفسه عناء قراءة ما هو مكتوب بالأسود فوق الأبيض، وتكفي مراجعة كتابي »محاكمة الحب« لتتضح الصورة.

 ولنقس على ذلك بقية الأساطير عن رسائل منى لهذا وذاك وبعضهم أعرفه معرفة سطحية عابرة لكنه يدعى وصلا بليلى.  ولا أكتمك أن بعض ما قيل من حياتي الشخصية يحرضني على التفرغ لكتابة مذكراتي حتى قبل إنجازي لروايتي »أيام الحب والياسمين«.  

عندما تعودين إلى أيام أسبوعية الحوادث اللبنانية ومشوارك الصحفي، كيف تذكرين بيروت والجو الصحفي والكبار الذين وقفت إلى جانبهم؟.

وقفوا إلى جانبي ووقفت إلى جانبهم، لكن أولئك الكبار ليسوا تلويحه وداع، فالكبار يحطون بنا دائما. وطننا العربي ليس عاجزا فالكبار في كل زمن. وفي مسيرتي الطويلة التقيت دوما بمبدعين من الجيل الماضي وأيضا من الحاضر والمستقبل والكبار ينبتون كل يوم في أرضنا العربية في الحقول كلها. لدي هلع من الذين يتوهمون أن زمن صباهم كان أفضل وزاخرا بالكبار. الأزمنة العربية كلها زاخرة بالكبار والصغار أيضا. وثقتي بالحاضر والمستقبل أكبر من ثقتي بالماضي وليس ثمة ما يسعدني كالحرف الجديد المبدع والعطاء المتوهج الشاب في أي حقل كان.

 

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مع جريدة | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

3 تعليق على “من أحدث الحوارات.. مع غادة السمان”

  1. نعم الاختيار لهاذا الحوار لاديبة من الادباء الكبار
    ولي عودة انشاء الله
     

  2. الاخت سميه
    مجهود راااااااائع
    تقبلى تحياتى
    اكرم

  3. السلام عليكم أردت ان انوه للخطر الإلحادي في الجزائر فقد زاد عدد الملاحدة في بلادنا المسلمة
    http://www.algel7ad.tk
    وهذا موقعهم فأرجو من من عندهم علم بالدين ان يحاججو هاؤلاء المرتدين كي يساهمو في الحفاظ على مجتمعنا كمجتمع مسلم
    كما يوجد الخطر المسيحي خاصة في منطقة الفبائل و الأوروبيون باتون افواجا ليبشرو و لكي يبعدونا عن ديننا لكن الجزائري يبقى مسلما مهما فعلو و هذه قصة عن التبشير في الجزائر
    يروى أن احد القساوسة في مدينة بجاية اخد يعلم الشباب تعاليم المسيحية و يغريهم بالأموال و تاشيرات السفر كي يخرجو عن الإسلام
    و مرة و عندما كانت جماعة منهم داخل الكنيسة من من حرجو على الإسلام إذا بزلزال يضرب المنطقة فإذا بالجميع يصرخ داخل الكنيسة الله أكبر الله أكبر
    قعلا مهما فعلو فالجزائر دولة الإسلام



اكتب تعليــقك

يجب ان تسجل الدخول لكي تتمكن من التعليق